أبي منصور الماتريدي
366
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقيل « 1 » : ذللت ، أي : سويت الأشجار ، لا يتفاوت بعضها بعضا ؛ يقول أهل المدينة إذا استوت عذوق النخلة : تذللت النخلة . وقيل : ذللت ، أي : سخرت ؛ والتذليل : التسخير ، فيتناولون منها كيف شاءوا : إن شاءوا تناولوها وهم قيام ، وإن شاءوا تناولوها وهم جلوس ، أو نيام على الفرش . وجائز أن يكون تسخيرها على ما ذكر عن بعض المتقدمين : أن شجر الجنة عروقها من فوق ، وفروعها من أسفل ، والثمار بين ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ . فتأويل الأكواب يذكر في سورة : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [ الغاشية : 1 ] . ثم أخبر أن تلك الأكواب قوارير من فضة ، قيل « 2 » : هي من فضة ، ولها صفاء القوارير ، يرى ما فيها من الشراب من خارجها ؛ لصفائها . ثم الآنية من الفضة في أعين أهلها أرفع وأشرف من الإناء المتخذ من التراب ؛ فكذلك الصفاء الذي يكون بالفضة أبلغ وأرفع في أعين أهلها من الصفاء الذي يقع بالقوارير . قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ على الأصل المعهود : أنه لا ينصرف ، وقرئ قوله : قواريرا على الوقف عليه موافقا لآخر سائر الآيات ، وقرئ قَوارِيرَا ، بالتنوين عند الوصل أيضا ؛ لأنه رأس الآية . وقوله - عزّ وجل - : قَدَّرُوها تَقْدِيراً : أي : جعلت على قدر ريهم . وقيل : يسقون على القدر الذي قدروه في أنفسهم ، وحدثت به أنفسهم ؛ فلا يقدرون في قلوبهم مقدارا إلا أتوا بها على ذلك . وقوله - عزّ وجل - : وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا : منهم من زعم أن العرب كانوا إذا أعجبهم شراب نعتوه ، وقالوا : كالزنجبيل ؛ فخرجت البشارة من الوجه الذي ترغب في مثله الأنفس . ومنهم من ذكر أن الزنجبيل والسلسبيل واحد ، وهما اسم العين .
--> ( 1 ) قاله البراء بن عازب أخرجه الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد بن السري وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 486 ) ، وهو قول مجاهد وسفيان وغيرهما . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ، وابن المنذر ، والبيهقي في البعث عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 487 ) وهو قول الحسن ، وقتادة ، ومجاهد .